الخميس، 10 سبتمبر، 2009

أخبار شركيسيا: سوتشي .... ستبقى شركسية

سوتشي .... ستبقى شركسية


ان المتتبع لقضايا الصراع في منطقة شمال القفقاس سواء كانت السياسية أو الأيدلوجية أو القومية منها، سيلاحظ وجود صلة وثيقة بين هذه الصراعات وبين الإصرار الغريب للفدرالية الروسية على ترشيح مدينة سوتشي ( الشركسية) لاستضافة الأولمبياد الشتوية عام 2014 والتي فازت المدينة (بشرف تنظيمها ) إن صحّ التعبير، هذا الفوز يصاحبه عدة تساؤلات حول المغزى من هذا الترشيح والفرحة الغامرة التي انطلقت في طول الفدرالية الروسية وعرضها، والتي اكتسبت طابعاً قومياً غريباً فلقد جاءت في وقت يتصاعد فيه المد القومي الشركسي وفي مرحلة حساسة جداً تدخل فيها منطقة شمال القفقاس منحى تاريخي هام للغاية ولقد عبرت هذه الأفراح بشكل أو بآخر عن الرؤى المختلفة والمستقبلية للاعبين الأساسيين في الصراعات الموجودة في المنطقة على اختلاف أهدافهم واتجاهاتهم .


كما كان استعمال مصطلح "انتصرنا" وليس الفوز من قبل بعض الساسة الروس الأثر الواضح في ظهور تساؤلات حول الهدف الحقيقي وراء هذا الفوز بالاستضافة، إلا أن جميع التساؤلات مهما كثرت تبدو إجابتها واضحة جداً إذا تم الاستماع إلى التاريخ الحقيقي لمنطقة سوتشي أي إذا تم الإصغاء إلى رواية السكان الأصليين لسوتشي وهم الشراكسة أصحاب الأرض والتاريخ، والتي تقوم روايتهم على حقائق راسخة لا مجال للنقاش فيها، هذه الحقائق تقسم لحقائق تتعلق بماضي سوتشي وأخرى بحاضرها، وفيما يخص ماضي مدينة سوتشي فإنه يمكن استعراض الحقائق التالية :


1. سوتشي هي عاصمة قبيلة الوبيخ الشركسية، حيث عاش فيها الشراكسة منذ آلاف السنين وتحتل سوتشي مكاناً مهماً في الثقافة القومية الشركسية، فهي تمثل آخر معاقل المقاومة الشركسية قبل انهيارها فبعد تحقيق القوات الروسية للنصر في منطقة شمال شرق القفقاس باستسلام الإمام شامل عام 1859 استمرت المقاومة الشركسية حتى عام 1864 تقاتل القوات الروسية حيث بقيت مناطق الأبزاخ والشابسوغ والحاكوج والوبيخ وقسم من مناطق البزادوغ خارجة عن سيطرة الروس فهاجر إليها العديد من سكان المناطق الأخرى التي وقعت تحت الاحتلال، الأمر الذي أدى لازدياد السكان بهذه المناطق مما نتج عنه تدهور في الحالة الاقتصادية وانتشار لبعض الأمراض والأوبئة، حتى أن الزعيم المريدي / نائب الإمام شامل في تلك المنطقة ( محمد أمين ) فقد الأمل في مواصلة المقاومة وأراد أن يستسلم لشروط الروس كما فعل زعيمه الإمام شامل، إلا أن مجلس الشعب الشركسي والذي يمثل القادة والزعماء الشراكسة عقد اجتماعاً في منطقة سوتشي تحديداً في عام 1861 حيث تم انتخاب مجلس جديد اتخذ العديد من القرارات والتي كان أهمها الرفض الصريح لأي حديث أو شكل للاستسلام والتأكيد على استمرار المقاومة حتى آخر رجل ومهما كانت التضحيات ومخاطبة عواصم الدول الغربية آنذاك لطلب مساندتهم ودعمهم ضد الغزو الروسي البربري، إلا أن مناطق الأبزاخ والشابسوغ وقعت عام 1863 تحت الاحتلال وانتقلت المقاومة إلى منطقة سوتشي (الوبيخ ) التي ظلت تقاتل حتى عام 1864، حيث انهارت المقاومة الشركسية وانتهت الحرب بهزيمة الشراكسة وتشريدهم عن أرض وطنهم .

2. شهدت منطقة جبال كراسنايا ـ بوليانا في سوتشي آخر معارك المقاومة الشركسية ولهذا فهي تمثل رمزاً لمقاومة الغزاة رغم ضعف الإمكانيات في العدة والعتاد إلا أن الشراكسة استمروا في المقاومة حتى الرمق الأخير.

3. بعد سقوط سوتشي أقام الروس سلسلة من جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية وبشكل منظم خاصة في منطقة سوتشي، حيث ارتبط اسمها بذكريات مخيفة تتحدث عن مجازر مروعة إحداها كانت تروي قيام الروس بجمع أطفال ونساء الشراكسة بحفر كبيرة وإحراقهم وهم أحياء فيها، وقطع رؤوس الشهداء ووضعها على أسنة الحراب وزرعها على شواطئ الساحل الشركسي للاحتفال بنصرهم وترهيب ما بقي من الشعب الشركسي لإجبارهم على مغادرة أرضهم، بالإضافة إلى الجرائم والمجازر الأخرى العديدة التي تم القيام بها ضد الشعب الشركسي، وخاصة في منطقة سوتشي لأنها كانت آخر معاقل المقاومة فكانت القوات الروسية تريد أن تجعل منها عبرة للجميع، وكونها استعصت على الروس أكثر من مائة عام أراد الروس أن ينتقموا من أهل سوتشي ومن الشراكسة جميعاً وذلك بتفريغ المنطقة منهم تماماً وتركها للمستوطنين القوزاق وإحراق جميع المعالم الشركسية فيها من قرى وبلدات وغيرها لدرجة أنه لم يبقى من قبيلة الوبيخ الشركسية سوى بضع عائلات أجبرت على الرحيل إلى الدولة العثمانية آنذاك بعد أن كانت هذه القبيلة تُعد من أكبر وأقوى القبائل الشّركسيّة.


4. من خلال ما سبق فإننا نلاحظ الدور التاريخي القومي الذي لعبته سوتشي في حرب المقاومة الشركسية للغزو الروسي البربري، فلقد كانت مقراً لاجتماعات مجلس الشعب الشركسي وقاعدة لتنظيم سير عمليات المقاومة العسكرية بل أن سوتشي ولأول مرة في تاريخ الشراكسة أضحت عاصمة للشعب الشركسي ومنبراً لمخاطبة الدول العظمى آنذاك لطلب مساعدتها ودعمها وشرح القضية الشركسية العادلة، ولما سبق فإنه من غير المستغرب أن تعمد الفدرالية الروسية في وقتنا الحالي لترشيح سوتشي لاستضافة الأولمبياد الشتوية وذلك ضمن خطتها الرامية إلى التصدي للمد القومي الشركسي فهي على ما يبدو تحاول إظهار صورة معينة عن المنطقة للعالم الخارجي حيث تعمل على تأكيد الهوية الروسية للمنطقة وليس هناك طريقة أفضل من إظهار هذه الصورة إلّا من خلال منطقة سوتشي التي تعتبر رمزاً للمقاومة القومية الشركسية، فهنا تحاول الفدرالية الروسية ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد وكما يلي:


أ. تسعى الفدرالية الروسية إلى تأكيد الهوية الروسية للمدينة وذلك بمحاولة قطع الطريق على الشراكسة الذين يحاولون نقل قضيتهم إلى المحافل الدولية، ولهذا فهي تعمل بكافة الوسائل لعكس صورة تؤكد سلامة موقفها دولياً، لتمتلك الحجة القانونية التي ترد بها على المطالب القومية الشركسية.


ب. إن العمل على تشويه وتزوير تاريخ سوتشي لا يمكن اكتماله دون توجيه ضربة قاصمة للقوميين الشراكسة، وقد تكون الفدرالية الروسية قد رأت أنها تستطيع الاعتماد على ورقة الإرهاب العالمي لإلصاقها زوراً وبهتاناً بالحركات القومية الشركسية، تماماً كما فعلت في الشيشان (مع فارق التشبيه طبعاً)، ولهذا فإن اختيار سوتشي وهي رمز للمقاومة الشركسية وإعطائها الهوية الروسية الخالصة ستكون بمثابة الضربة الموجعة للقوميين الشراكسة بحيث تعمل الفدرالية على إيصالهم لحافة اليأس خاصة أن المد القومي الشركسي ما زال في بدايته ولهذا فإنه من الضروري في نظرها إخماده قبل أن يتصاعد من خلال التشكيك بمصداقيته وقدرته على الصمود لأن المواجهة الحالية هي مواجهة ذات طابع قومي ثقافي حضاري وهو صراع بين قوميتين تحاول إحداها أن تسحق الأخرى رغم احتلال أرضها وتشريد أهلها إلا أنها ترى أن قتل الصمود والإرادة القومية للطرف الآخر هو الذي يعني لها الانتصار .


ج. تسعى الفدرالية الروسية لإعطاء طابع الدولة العظمى من خلال الاستفادة من الإمكانيات والموارد الضخمة الموجودة بسوتشي ولهذا فإن تنظيمها لهذا الحدث العالمي سيؤمن لها حسب اعتقادها رصيد هائل من الهيبة والمكانة العالمية المفقودة لها أصلاً وسيعمل على تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان والذي وحسب التصنيف الدولي يعتبر سيئاً مقارنة بغيرها من الدول .


أما فيما يخص الحقائق المتعلقة بحاضر مدينة سوتشي فيمكننا أن نذكر ما يلي:


1. بعد أن أذاقت منطقة سوتشي القوات الروسية طعم العذاب وقاومت حتى آخر قطرة دم من أبنائها، عمل الروس على منع الشراكسة من دخول مناطق معينة في مدينة سوتشي، وهذا الأمر ما يزال قائماً حتى يومنا هذا، فمثلاً منطقة جبال كراسنايا ـ بوليانا والتي شهدت آخر معارك المقاومة الشركسية لا يُسمح للشراكسة بدخولها إلا بتصريح خاص قد يلزم استصداره سبعة أيام مع إمكانية كبيرة جداً للرفض وبلا أسباب، هذا ويُمنع الشراكسة من تملك أي عقار مهما كان في مناطق معينة في سوتشي أو ما حولها حتى وإن كان ذلك عن طريق الشراء، فيكفي أن يُذكر أن المشتري شركسي حتى ترفض معاملة البيع بكاملها.


2. إن منطقة سوتشي تضم مجموعة كبيرة من المنتجعات الفخمة والتي كانت وما تزال مخصصة فقط لزعماء ومسؤولي كبار الاتحاد السوفييتي سابقاً والفدرالية الروسية حالياً ولهذا فإن المنطقة تعاني من اختناق أمني وقبضة أمنية حديدية على أبناء السكان المحليين.


3. ترفض السلطات الروسية القيام بأية عمليات تنقيب عن الآثار في المنطقة على الرغم من وجود اكتشافات أثرية مهمة إلا أنه تم تهريبها للمتاحف الروسية، وبالنسبة للمطالبات الأخيرة من قبل علماء الآثار الأديغيين للتنقيب جوبهت بالرفض القاطع من قبل السلطات الروسية خوفاً من إظهار التاريخ الشركسي الحقيقي للمنطقة.

وإذا أخذنا الحقائق السابقة وغيرها ونظرنا إليها من خلال منظور تحليلي فسنلاحظ ما يلي:


1. إن سوتشي حالياً تمثل قمة التمييز والتفرقة العنصرية بأبشع صورها فلا يمكن تفسير عدم السماح للشراكسة وهم سكان المنطقة الأصليين بدخول بعض المناطق إلا بتصاريح خاصة كما ذكر سابقاً إلا بأنه تمييز عنصري كامل ضد الشراكسة ومهما برع الساسة الروس بتبرير هذه الإجراءات العنصرية فإنهم لن يستطيعوا إيجاد تفسير واحد يقبله العقل .


2. التعصب القومي الواضح للروس في منطقة سوتشي ضد الشراكسة ومحاولتهم الانتقام منهم والثأر من مقاومتهم الباسلة للدفاع عن أرضهم، الأمر الذي يبين مدى الكراهية والحقد الموجودين إلى يومنا هذا لدى السلطات الروسية على الرغم من مرور أكثر من 143 عاماً على نهاية الحرب الشركسية ـ الروسية .


3. المُلاحظ من خلال جميع الإجراءات العنصرية والتعصب القومي هو الرغبة الروسية الواضحة لقتل أي بصيص أمل لأي مشروع قومي شركسي مهما كان ومحاولة ترويس المنطقة ومحو تاريخها بالقوة ولا شيء غير القوة، حيث تهدف السلطات الروسية إلى تزوير وتشويه تاريخ منطقة سوتشي بإظهارها بطابع روسي كامل .


4. ترشيح سوتشي والتي هي باعتراف المسؤولين الروس تفتقر للبنية التحتية المناسبة وبحاجة إلى إنفاق العديد من الأموال الطائلة لبناء المرافق الرياضية المناسبة، يظهر للعيان أن الهدف الحقيقي هو مواجهة المد القومي الشركسي المتعاظم.


ومن خلال ما سبق فإنه يمكن القول أن الصراع بمنطقة شمال القفقاس سيأخذ طابعاً جديداً بعد أن أظهرت روسيا على ما يبدو أنه لا يمكن حتى التفاوض أو الحديث عن المستقبل (الشركسي) لمنطقة شمال القفقاس ويأتي هذا الموقف الروسي في ظل تعاظم الاستثمارات الاقتصادية في منطقة شمال القفقاس، وفي ظل ظهور بعض الدعوات الليبرالية الروسية الداعية إلى منح المناطق الشركسية استقلالها أو شكلاً من أشكال الحكم الذاتي المُوسّع، والخوف من سيناريو مشابه لسيناريو كوسوفو، والخوف أيضاً من المد الشركسي الذي أصبح مشكلة مؤرّقة للسلطات الروسية والذي قد يرى البعض أنه من المبالغة تعظيم الشأن الشركسي بالنسبة للسياسة الروسية واحتلاله هذه الدرجة من الأهمية، ولكن يمكن لأي مشكك بهذا الطرح أن يقرأ النقاط السابقة وأن يفسر لماذا يحرّم على الشراكسة دخول مناطق معينة في سوتشي ولماذا تم اختيار منطقة تعتبر رمزاً للمقاومة الشركسية، وعندها سيكتشف أن الشراكسة وقضيتهم هي فعلاً مشكلة تؤرّق صانع القرار الروسي ولكنه بخبرته الاستعمارية الطويلة وحنكته السياسية المعروفة يحاول اجتثاث الحركات القومية الشركسية التي تهدف إلى استرجاع حقوق الإنسان الشركسي في وطنه الأم.


ويمكن القول أن قرار اللجنة الأولمبية الدولية إختيار سوتشي مكاناً لانعقاد الأولمبياد الشتوية القادمة هو قرار غريب ومُستهجن، خاصة في ظل توجيه عدة رسائل من قبل مؤسسات المجتمع المدني الشركسي للجنة المنظمة للأولمبياد تبين لها حقيقة تاريخ سوتشي، حيث أنه من الغريب أن تُقام الأولمبياد وهي حدث يرمز إلى السلام والمؤاخاة بين بني البشر على أرض هي عبارة عن مقبرة لشعب مظلوم قُتل وشُرّد من أرضه وما تزال حقوقه إلى يومنا هذا غير مُصانة وضائعة في كواليس السياسات المتقلبة للقوى العظمى، ويبدو أننا للأسف قد نكون مضطرين للأخذ برأي علماء البيئة والآثار في جمهورية الأديغيه ومنهم علماء روس، والذين صرّحوا بأن الرشوة قد لعبت دوراً بارزاً في اختيار مدينة سوتشي.


وبالنهاية فإن سوتشي ستبقى شركسية، صحيح أن سكانها من الروس الآن وأنها تعتبر لدى العالم كله مدينة روسية خالصة إلا أن سوتشي ستبقى شركسية بشعبها وتاريخها لأنهم هم الحقيقة الراسخة، أما الروس بسكانهم وأبنيتهم وتماثيلهم التي لا غنى لهم عنها فإنهم السراب الذي لا بد له من التلاشي، وأن الخوف الروسي الدائم من المد القومي الشركسي لهو أكبر دليل على هذه الحقيقة الراسخة لحقوق الشعب الشركسي، ويكفي القول أنه رغم كل الجرائم والفظائع والتهجير القسري والتطهير العرقي والإبادة وتزوير التاريخ طيلة 143 عاماً، بقيت سوتشي وستبقى في ذاكرة القوميين الشراكسة رمزاً للبطولة والفداء للوطن الذي يُفدى ولا يُباع.


علي كشت


http://www.circassianews.com/documents/views_and_analysis.php?title=سوتشي-....-ستبقى-شركسية&entry_id=1246701238&comments=comments

0 التعليقات: